- 6 زيارات
في رحلتي في العلاج الاجتماعي والنفسي، أدركت أن تجربة الإعاقة تختلف بين من يولد بها ومن يتعرض لها لاحقًا خلال حياته. فالأمر لا يتعلق فقط بطبيعة الإعاقة، بل يرتبط بشكل كبير بشخصية الفرد وطريقة تعامله مع الظروف التي يمر بها.
وقبل الحديث عن ذلك، أود أن أذكر إحدى قصص النجاح من عملاء عيادتي.
قصة نجاح:
أحد عملائي (أ.ع) كان مراهقًا يتمتع بصحة كاملة ويذهب إلى مدرسته بشكل طبيعي، لكن تعرضه لحادث أدى إلى فقدانه أحد أطرافه، ما شكّل صدمة كبيرة له. مرّ بمرحلة صعبة من الحزن واليأس وعدم تقبل الإعاقة، مما أثر على ثقته بنفسه ونظرته إلى المستقبل.
ومن خلال المتابعة في العيادة والدعم النفسي والاجتماعي، بدأ تدريجيًا في تقبل وضعه الجديد وإعادة بناء ثقته بنفسه. ومع مرور الوقت، تحول هذا التحدي إلى دافع قوي لديه.
واليوم يدرس في الجامعة تخصص الأطراف الصناعية، بدافع رغبته في مساعدة أشخاص يمرون بالتجربة نفسها، وتحويل تجربته الشخصية إلى رسالة أمل ودعم للآخرين.
ومن خلال هذه التجربة وغيرها، أرى أن بعض الأشخاص يتمكنون من تحويل الإعاقة إلى مصدر قوة ودافع للتطور، حيث يعيدون توجيه طاقاتهم وإمكاناتهم نحو مجالات أخرى يبدعون فيها. كما يرفض كثير منهم أن يُنظر إليهم من زاوية الضعف أو الشفقة، بل يسعون إلى إثبات قدراتهم وتحقيق إنجازاتهم اعتمادًا على ما يمتلكونه من مهارات وإمكانات.
ومن منظور علم النفس، لا تعني الإعاقة بالضرورة محدودية قدرات الإنسان أو ضعف إمكاناته. وينطبق ذلك أيضًا على الأشخاص الذين يولدون بإعاقة، إذ يلعب دور الأسرة دورًا أساسيًا في هذه المرحلة. فطريقة تعامل الأهل مع الطفل وتقبّلهم له بشكل طبيعي، مع التركيز على نقاط قوته وتنمية قدراته، تساعده على بناء شخصية واثقة ومتوازنة.
أما في حال حدوث الإعاقة في مرحلة لاحقة من الحياة، فقد تكون التجربة أكثر تعقيدًا بسبب التغير المفاجئ في نمط الحياة. ومع ذلك، يظل التعامل مع هذه التجربة مرتبطًا بعوامل عدة، من أبرزها شخصية الفرد، وطريقة نظرته إلى التحديات، إضافة إلى الدعم الذي يتلقاه من محيطه الاجتماعي.
وأرى أن الأشخاص الذين يحققون النجاح رغم التحديات هم غالبًا أولئك الذين يرفضون الاستسلام، ويعملون على تطوير أنفسهم واكتشاف قدراتهم الكامنة. فالإعاقة لا ينبغي أن تكون عائقًا أمام طموحات الإنسان، بل يمكن تجاوزها من خلال تنمية المهارات واستثمار الإمكانات المتاحة.
وفي الوقت نفسه، من المهم الحفاظ على التوازن في النظر إلى الإنجازات، بحيث لا تصبح مصدر ضغط أو معيارًا وحيدًا لتقدير الذات، بل تكون جزءًا من حياة طبيعية ومتوازنة، يستطيع الفرد من خلالها أن يبدع في المجالات التي تناسب قدراته واهتماماته.